السيد الطباطبائي

38

تفسير الميزان

شهادة فإنه هو الذي أوجد كل ما دق وجل من الأشياء ، وإليه ينتهى كل أمر وخلق ، وهو المحيط بكل شئ ومع كل شئ لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر لا يضل ولا ينسى . ولكون الامر بينا لا يقع فيه شك لم يحتج إلى إيراد الجواب في اللفظ بأن يقال : قل الله أكبر شهادة ، كما قيل : ( قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله ) ( الانعام : 12 ) أو يقال : سيقولون الله ، كما قيل : ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ، سيقولون لله ) ( المؤمنون : 85 ) . على أن قوله : ( قل الله شهيد بيني وبينكم ) يدل عليه ويسد مسده ، وليس من البعيد أن يكون قوله ( شهيد ) خبرا لمبتدء محذوف هو الضمير العائد إلى الله ، والتقدير : ( قل الله هو شهيد بيني وبينكم ) فتشتمل الجملة على جواب السؤال وعلى ما استؤنف من الكلام . وقوله : ( قل الله شهيد بيني وبينكم ) على أنه يشتمل على إخباره صلى الله عليه وآله بشهادة الله تعالى هو بنفسه شهادة لمكان قوله : ( قل ) إذ أمره بأن يخبرهم بشهادته تعالى بالنبوة لا ينفك عن الشهادة بذلك ، وعلى هذا فلا حاجة إلى التشبث بأنواع ما وقع في القرآن الكريم من شهادة الله تعالى على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم وعلى نزول القرآن من عنده كقوله تعالى : ( والله يعلم إنك لرسوله ) ( : المنافقون : 1 ) أو قوله : ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ) ( النساء : 166 ) وغير ذلك من الآيات الدالة على ذلك تصريحا أو تلويحا بلفظ الشهادة أو بغيره . وتقيد شهادته تعالى بقوله ( بيني وبينكم ) يدل على توسط تعالى بين طرفين متخاصمين هما النبي صلى الله عليه وآله وقومه ، والنبي لم ينعزل عنهم ولم يتميز منهم في جانب إلا في دعوى النبوة والرسالة ودعوى نزول القرآن لكن نزول القرآن بالوحي قد ذكر بعد في قوله : ( وأوحى إلى هذا القرآن ) فالمراد بشهادته تعالى بينه وبينهم شهادته بنبوته ، ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية : ( الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ) على ما سيجئ إن شاء الله . قوله تعالى : ( وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) من مقول القول